|
السيرة النبوية > الدعوة في مكة ...الانطلاق والتأسيس الدعوة في مكة ...الانطلاق والتأسيس (أ) بوادر انحلال الوثنيةكان الواقع السائد قبل مبعث الرسول(ص) في شبه الجزيرة العربية يعج بالفوضى والرذيلة، ويسيطر فيه القوي على الضعيف، ويسود فيه الظلم بكل أشكاله، وقد بدأت في تلك الفترة بوادر انحلال الوثنية بالظهور، حيث لجأ البعض إلى التنكر للوثنية بين العرب، وحاول إصلاح الأحوال لكن دون جدوى، في حين أن البعض الآخر كان يترقب ظهور مصلح ينقلهم من عبادة الأصنام والأوثان إلى عبادة إله واحد لا شريك له ولا نظير، ومن هؤلاء زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن حويرث، وغيرهم. كان الرسول(ص) قد ابتعد عن كل ممارسات الجاهليين التي كانت تسود شبه الجزيرة، ووضع نصب عينيه إنقاذ هذا المجتمع الغارق في الجاهلية والظلم والاستبداد، وعبادة الأوثان والأصنام، ونقله إلى النور والعلم والتوحيد وما إلى ذلك، فمال، كما جاء في الروايات القليلة، إلى العزلة بعيداً عن صخب مكة وضجيجها إلى الشعاب المحيطة بمكة، فوجد في غار حراء ما ينشده من الوحدة والخلوة مع نفسه، فكان يذهب إليه في شهر رمضان من كل عام يقيم فيه الشهر بكامله، مكتفياً بالقليل من العيش الذي تحمله إليه زوجته خديجة(ع)، فإذا انقضى الشهر عاد إلى مكة، ويستأنف حياته العامة، وإدارة شؤونه، وأهل مكّة وكل من عرفه من الأعراب خارجها ينظرون إليه بإكبار وإعجاب، وهو مع كل ذلك يزداد تواضعاً وعطفاً على الفقراء والمساكين، وهكذا. المؤمنون الأوائل كانت خديجة(ع) أول من آمن بدعوة الرسول(ص)، ووقفت بقوة إلى جانبه(ص)، وهو يجابه بالتوحيد شرك العرب جميعاً، وكان علي(ع) أول من آمن من الفتيان ، ولكن المؤرخين اختلفوا في سنّه يوم إسلامه، فقيل إنه كان في الخامسة عشرة من عمره، كما ذهب إلى ذلك الحسن البصري وجماعة من المحدثين، وقيل أكثر من ذلك كما يظهر من جعفر الإسكافي، ولكن عبارة الكليني في الكافي تشير إلى أن عمره يوم إسلامه كان يتراوح بين العاشرة والثالثة عشر، وكان عليٌ قد عاش في كنف الرسول(ص)، حيث كان قد أخذه ليعيله في داره تخفيفاً عن أبي طالب الذي لم يكن يملك ما يكفيه وأبناءه جميعاً، وكان زيد بن حارثة ثالث من أسلموا، وكان هو الآخر يقطن مع الرسول(ص) في بيته، حيث كانت خديجة(ع) قد اختارته من بين عدد من العبيد الغلمان الذين استقدمهم أحد التجار من الشام، فرآه الرسول(ص) فاستوهبه منها، فوهبته له، فأعتقه وتبنّاه قبل مبعثه. أما رابع المسلمين وأول الرجال فهو أبو بكر عتيق بن أبي قحافة، ولم يلبث أن التحق بهذا الركب عدد من الشخصيات كعثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبد الله، وأعقب هؤلاء النفر التسعة مجموعة أخرى من المسلمين الأوائل، حتى وصل عددهم إلى أربعين شخصاً، وكان ذلك طوال سنوات ثلاث أو أربع، وهي مدة طويلة كان من الممكن أن يتضاعف فيها العدد لو أن الرسول(ص) قام بالدعوة جهاراً، ولكنه (ص) لم يكن قد كلِّف وجوب الجهر والإعلان بها إلا لمن وجد في قلبه ميلاً للإسلام. المرحلة الأولى وفي السنة التي نزل فيها الوحي على النبي(ص)، خرج إلى حراء كعادته، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته، جاءه جبرائيل بأمر من الله قال له: إقرأ، قال رسول الله(ص) قلت ما أقرأ، وقال له ثانية إقرأ، قال(ص) قلت ما أقرأ، وأعادها عليه ثالثة، فقال: {إقرأ باسم ربك الذي خلق* خلق الإنسان من علق* إقرأ وربك الأكرم الذي علّم بالقلم* علّم الإنسان ما لم يعلم}(العلق:1ـ5). فقرأها الرسول(ص) وبشّره جبرائيل أنه رسول الله(ص)، وجاء إلى خديجة(ع) يقص عليها ما جرى له، فقالت له كما جاء في عدد من الروايات: "أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث، وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق". وبقي الوحي مدة منقطعاً عن الرسول(ص) كما يذكر المؤرخون، فخرج إلى حراء يفكر ويتألم كعادته، ينتظر أن يعود إليه الملك الذي جاءه أولاً وبشّره بالنبوة، وبينما هو غارق في التفكير والتأمل، وإذا بجبريل يطل عليه ويقول يا محمد: "إنك رسول الله حقاً"، فارتاح لذلك، وترك النداء أثراً عميقاً في نفسه، وسرت عنه مخاوفه وأخلد إلى النوم، وبينما هو غارق في النوم جاءه الملاك جبرائيل ليبلغه رسالة الوحي، فاستيقظ من نومه ليستمع إلى الوحي يقول له: {يا أيها المدثر* قم فأنذر* وربك فكبر* وثيابك فطهر* والرجز فاهجر* ولا تمنن تستكثر* ولربك فاصبر..}(المدثر1ـ7). أمر الرسول(ص) أتباعه بالتزام الحيطة والحذر وعدم الإعلان عن الإسلام بانتظار الأمر الإلهي، فكانوا إذا أرادوا الصلاة خرجوا إليها فرادى إلى الشعاب والبرية، وبقي هؤلاء كذلك طوال مدة الاستخفاء.
قريش ترصد حركة المسلمين وترامت هذه الأنباء إلى قريش، فلم تعر لهذا الأمر في البداية اهتماماً، ولعلّها حسبت محمداً(ص) أحد أولئك الديّانين الذين يتكلمون في الألوهية وحقوقها، كما صنع أمية بن الصلت، وقس بن ساعدة، وعمرو بن نفيل وأشباههم، إلا أنها توجست خيفة من ذيوع خبره، وامتداد أثره، وأخذت ترقب على الأيام مصيره ودعوته، واستمر العمل بهذه الطريقة لمدة ثلاث سنين تعرض المسلمون خلالها لحادثتين: الحادثة الأولى: يوم خرج سعد بن أبي وقاص في نفر من المسلمين الأوائل إلى شعب من شعاب مكة، حيث ظهر عليهم جماعة من المشركين وهم يصلّون، فاستنكروا عملهم وعابوا عليهم ما يصنعون، وما لبث الطرفان أن دخلا في شجار عنيف، واضطر سعد ـ يومئذ ـ أن يجرح قوماً من المشركين، فكان ـ كما يقول ابن هشام ـ: "أول دم أهرق في الإسلام". وكان سعيد بن زيد يقول: "استخفينا بالإسلام سنة، ما نصلي إلاّ في بيت مغلق أو شعب خال ينظر بعضنا لبعض". أما الحادثة الثانية فكانت كما رواها البلاذري، هو أنه بينما كان رجلان من المسلمين يصلياّن في إحدى شعاب مكة، هجم عليهما رجلان من المشركين "كانا فاحشين"، فناقشوهما ورموهما بالحجارة ساعة، حتى خرجا فانصرفا. ترك هذان الحادثان تأثيرهما على مسيرة المسلمين الناشئة، ما حمل الرسول(ص) إلى أن يأمر أتباعه بالتخفي والتزام البيوت مدة من الزمن حتى تستقر الأوضاع، فدخل هو وجماعة من أصحابه بيت الأرقم بن أبي الأرقم، وبقي فيه متخفياً لا يخرج إلى أن أذن الله له بالخروج، وكان بعض المسلمين الذين بقوا خارج هذا المنزل يراجعون دار الأرقم لتلقّي أوامر النبي(ص) وتنفيذ ما يحتاج إليه. وكما يقول أرنولد، "تعدُّ الفترة التي قضاها محمد(ص) في هذه الدار فترة هامة في الدعاية الإسلامية بمكة، حتى أن كثيراً من المسلمين يؤرخون دخولهم في الإسلام بتلك الأيام التي كان الرسول يبث فيها الدعوة بدار الأرقم". البدايات الأولى للمجابهة العقيدية إن سرِّية الدعوة في هذا العهد وتواصي المسلمين بالحذر والحيطة، وتلافي الاصطدام المباشر مع المشركين، لم يمنع من المجابهة العقيدية بين الدين الجديد والشرك، حيث أشار القرآن الكريم إلى ذلك في سورة العلق، وشن حملة عنيفة على أحد زعماء قريش، وهو المغيرة بن هشام المخزومي، في وقت لم يكن قد آمن بدعوة النبي(ص) سوى نفر يعدون على الأصابع، وذلك في قوله تعالى: {كلا لئن لم ينته لنسفعاً بالناصية* ناصية كاذبة خاطئة* فليدع ناديه* سندع الزبانية..}(العلق:15ـ 18). إعلان الدعوة ... حان وقت إعلان الدعوة، فأصدر الله سبحانه وتعالى أمره إلى الرسول(ص) أن"يصدع" بما جاءه منه: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين}(الحجر:94) ولقوله تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين* واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين}(الشعراء:214ـ215) {وقل إني أنا النذير المبين}(الحجر:89). وجاء في بعض الروايات أنه لما نزلت الآية الأخيرة صعد الصفا وهو موضع بمكة وجعل ينادي يا بني فهر، يا بني عدي، يا بني عبد المطلب، وذكر الأقرب فالأقرب حتى اجتمعوا، ومن لم يستطع أن يخرج إليه أرسل رسولاً لينظر ما يريد، فاجتمع إليه منهم حوالي الأربعين، فقال النبي(ص): أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج من سفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ فقالوا: بلى والله، لأنّا ما جربنا عليك كذباً، قال: إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبّاً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله تعالى عليه{تبت يدا أبي لهب وتب* ما أغنى عنه ماله وما كسب* سيصلى ناراً ذات لهب* وامرأته حمّالة الحطب* في جيدها حبل من مسد}(المسد:1ـ5). ومما تحدث به المؤرخون أنّ النبي(ص)، عندما أمره الله تعالى أن ينذر عشيرته الأقربين، دعا علياً(ع)، وطلب منه أن يصنع طعاماً، ويدعو بني هاشم وعبد المطلب ليكلّمهم الرسول(ص) بالإسلام، ففعل علي(ع)، ذلك وأكلوا حتى شبعوا، ولما فرغوا من الأكل وأراد النبي(ص) أن يكلّمهم، بادره أبو لهب عمه إلى الكلام، وقال ما أشد ما سحركم صاحبكم، فتفرق القوم، ولم يكلّمهم النبي(ص)، وبعد أيام طلب منه أن يفعل كما فعل في المرة الأولى، ولما اجتمعوا بادرهم النبي(ص) بقوله: "ما أعلم إنساناً في العرب جاء قومه بمثل ما جئتكم به، لقد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني ربي أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم من بعدي"، فأحجم القوم غير علي(ع)، وكرّر القول فلم يجبه غير علي أيضاً. ولما رأى النبي(ص) إحجامهم وإصرار علي(ع) قال: "إن هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاستمعوا له وأطيعوا"، فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك محمد أن تسمع لابنك وتطيع.
أهمية اعتناق مكة الإسلام إذاً ابتدأ الرسول(ص) دعوته العلنية بإنذار عشيرته الأقربين، حيث كان لوقوف عشيرته إلى جانبه وقعٌ كبير ودلالات مهمة، في وقت كانت الروح القبلية قد استحكمت في مكة وبين القبائل في شبه الجزيرة العربية، ونظراً لمكانة مكة التي اكتسبت أهميتها من مركزها الديني، فإن جلبها إلى حظيرة الإسلام، لا بد وأن يكون له وقع كبير على بقية القبائل، لارتباطها بقريش عن طريق الأحلاف والمعاهدات، حيث تربطها بها مصالح سياسية وتجارية. وهذا لا يعني أنّ الرسالة جاءت محدودة بقريش، ولكنّ هذا الإنذار ما هو إلاّ خطوة مرحلية في سبيل تحقيق رسالته العالمية: {ما هو إلاّ ذكر للعالمين}(القلم:52)، {وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين}(الأنبياء:107). |