الرئيسية

عالم السحر والجن والأبراج قسم تفسير الأحلام قسم الألعاب 

منتديات صقر البحرين

ابتسامات وصور لمنتديات

موسوعة الأسرة العربية الأمثال الشعبيه تردد القنوات  دروس تعليم الفوتوشوب
عالم الحيوان موسوعة التداوى بالأعشاب عالم الأبراج   ترجمة النصوص 

قسم المسنجر MSN Messenger

الطب البديل الأبراج الصينية الريجيم واللياقة جمالك سيدتي عالم الأرواح
قسم الأخبار

افحص جهازك من الفايروسات

الحجامة عالم الأبراج الجديد   القرآن الكريم  
 
 

السيرة النبوية >  الصراع الاسلامي ـ اليهودي

الصراع الاسلامي ـ اليهودي

عالج القرآن الكريم نقاطاً مهمةً تتصل بمواقع الأمن الإسلامي في المدينة، في نطاق الأوضاع القلقة التي كان يتحرك فيها اليهود ضد المسلمين في سياق كيدهم الخفي للإسلام، بالرغم من المعاهدة التي كانت تربطهم بالنبي(ص)، والهادفة إلى تأسيس علاقة السلم المتبادل المبني على الاحترام العملي في حركة الواقع، وفي اعتراف الإسلام بالكتاب كله، كرمزٍ للعلاقات المميزة مع أهل الكتاب، ولكن بقي الحذر يشوب هذه العلاقة، بفعل ما كان المسلمون يتحسّسونه من أوضاع اليهود المريبة وحركاتهم المشبوهة، التي ترتكز على الكيد والتآمر على حركة الإسلام كله.

ولعلّ سورة الحشر التي عالجت في معظم آياتها هذه المسألة، جاءت معبرة بشكل جلي عن صورة الواقع المرتبك الذي أظهرته تحركات بني النضير، الذين هم أحد فصائل المجتمع اليهودي في المدينة، إلى جانب بني قريظة وبني قينقاع، فقد صدر من هؤلاء ما يؤكِّد نقض عهدهم مع النبي محمد(ص)، وكان سبب ذلك في ما نقله رواة السيرة، أنّ أبا براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنّة سيد بني عامر بن صعصعة، الذي عرض على الرسول(ص) أن يرسل وفداً من الدعاة إلى أهل نجد في جواره يدعوهم إلى الإسلام، فأرسل معه سبعين راكباً، فقتلهم عامر بن الطفيل ببئر معونة، واستصرخ عليهم القبائل، ونجا منهم عمرو بن أمية الضمري، وبين هو عائد إلى المدينة التقى بالقرب منها برجلين من بني عامر، وكان معهما عقدٌ وجوارٌ من رسول الله(ص) لم يعلم به عمرو، فلما ناما، قتلهما بمن قتله بنو عامر عند بئر معونة.

فلما بلغ ذلك رسول الله، عزم على أن يديهما، فانطلق إلى بني النضير يستلفهم في ديتهما ومعه نفرٌ من أصحابه، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وجلس إلى جدارٍ من بيوتهم، وبين هو كذلك دبّر له بني النضير مكيدة وتآمروا على قتله، فقالوا: من يعلو هذا البيت فيلقي عليه صخرةً يقتله بها ويريحنا منه، ونهاهم سلام بن مشكم، لأن ذلك يعتبر نقضاً للعهد، فلم يقبلوا، فانتُدب لذلك رجل وصعد ليلقي الصخرة، فجاءه(ص) الوحي بذلك، فنهض سريعاً وتوجّه إلى المدينة ولحقه أصحابه، وأرسل إليهم محمد بن مسلمة فقال: اذهب إلى يهود فقل لهم: اخرجوا من بلدي فلا تساكنوني، وقد هممتم بما هممتم به من الغدر، وقد أجَّلتكم عشراً فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه، فقالوا: نتحمل، فأرسل إليهم عبد الله بن أبيّ بن سلول: لا تفعلوا، فإن معي من العرب ومن قومي ألفين يدخلون معكم وقريظة وحلفاؤكم من غطفان يدخلون معكم، فطمع حيي بن أخطب سيد بني النضير في ذلك، ونهاه سلام بن مشكم أحد رؤسائهم، وقال: إن ابن أبيّ يريد أن يورِّطكم في الهلكة ويجلس في بيته، ألا تراه وعد بني قينقاع مثل ما وعدكم، وهم حلفاؤه، فلم يف لهم، فكيف يفي لنا ونحن حلفاء الأوس؟ فلم يقبل حيي وأرسل إلى رسول الله(ص): إنا لا نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك، فكبَّر(ص) وكبّر المسلمون وقال: حاربت يهود، وتجهز لحربهم، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وكان أعمى، وأعطى رايته علي بن أبي طالب(ع)، واعتزلتهم قريظة، فلم تعنهم، وخذلهم ابن أبيّ وحلفاؤهم من غطفان، وسار(ص) بالناس، حتى نزل فصلى بهم العصر بفنائهم وقد تحصنوا، وقاموا على حصنهم يرمون بالنبل والحجارة[1].

قال صاحب السيرة الحلبية: «وأمر بلالاً فضرب القبة، وهي من خشب عليها مسوح، وكان رجل من يهود اسمه عزّوز أو غزول، وكان أعسر رامياً يبلغ نبله ما لا يبلغه نبل غيره، فوصل نبله تلك القبة، فأمر بها فحوّلت. وفُقد علي قرب العشاء، فقال الناس: يا رسول الله ما نرى علياً، فقال: دعوه، فإنه في بعض شأنكم، فبعد قليل جاء برأس غزول، حيث كمن له عليّ حين خرج يطلب غرّة من المسلمين ومعه جماعة، فشد عليه فقتله وفرَّ من كان معه، فأرسل رسول الله مع علي أبا دجانة وسهل بن حنيف في عشرة فأدركوهم وقتلوهم.

وحاصرهم(ص) خمسة عشر يوماً، وقيل: أكثر، وكان سعد بن عبادة في تلك المدة يبعث بالتمر إلى المسلمين، وقطع نخلهم، وحرق لهم نخلاً بالبويرة، فنادوه: يا محمد، كنت تنهى عن الفساد وتعيبه، فما بال قطع النخل؟ وقذف الله في قلوبهم الرعب، فقالوا: نخرج من بلادك، فقال: لا أقبله اليوم، ولكن اخرجوا ولكم دماؤكم وما حملت الإبل من أموالكم إلا الحلقة (أي آلة الحرب)، فنـزلوا على ذلك، فكانوا يخربون بيوتهم بأيديهم، فيهدم الرجل بيته عما استحسن به من باب ونجافٍ وغيرهما لئلا ينتفع بها المسلمون، وكان المسلمون يخرّبون مما يليهم، فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من خرج إلى الشام»[2].

واقعة بني النضير

قبل الحديث عن مجريات الصراع الذي حصل بين المسلمين واليهود من بني النضير، يلفت القرآن إلى نقطة جوهرية يبتدىء فيها الحديث عن العزة الإلهية التي يسبِّح لها كل مافي الكون، وهذا ما يتمثل بقوله تعالى:{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} لتشكل هذه الوظيفة الإيمانية التي تمثِّل دور الكون في ما يحتويه من موجودات حية أو جامدة، في وجوده التكويني المنفتح على إعلان عظمة الله بوسائله التعبيرية المتنوعة، منطلقاً للإنسان ليستوحي ذلك في إقباله على الله، وفي خضوعه له، وفي انفتاحه على كل مشاريعه العملية من خلال الإحساس بذلك، ليكون مرتكزاً على أساس الشعور بالموقف القوي من خلال الشعور بعظمة الله في كل مواقع القوة {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} الذي لا يقترب أحد من مواقع عزته بأي موقع قوة، كما أنه يدبر الحياة في كل حركتها بحكمته.

هذه القوة المنطلقة من عمق إيماني هي التي أخرجت هؤلاء من معاقلهم جراء كفرهم، وذلك هو قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لاَِوَّلِ الْحَشْرِ} بتدبيره الذي ألهمه رسوله، وبنصره الذي نصره به، في نطاق العقيدة الإيمانية التي ترجع فيها كل أفعال الإنسان إلى الله، في ما توحي به من أن الله هو الذي يملك عمق الأسباب التي تبدو مرتبطةً بالإنسان في ظواهرها، ليبقى الإنسان مشدوداً إلى الله في شعوره بالحاجة المطلقة إليه، لأن كل طاقاته الذاتية مستمدة من الله في أصل وجودها وفي استمرارها في الحركة.

وهكذا كانت الآية تؤكِّد أن الله هو الذي أخرج الكافرين برسوله من أهل الكتاب، وهم بنو النضير، من ديارهم، بفعل الخطة الحكيمة المتحركة بقوة الموقف الإسلامي الذي اتّخذه النبي(ص) والمسلمون معه في مواجهتهم للتمرّد اليهودي على المعاهدة المعقودة بينهم وبين النبي(ص)، ما أدى إلى إخراج اليهود وإجلائهم عن الجزيرة العربية.

وقد كان هذا الإخراج وليدَ نظرةٍ إسلاميةٍ للعقلية اليهودية العنصرية التي تختزن في داخلها العقدة الخبيثة ضدّ الإسلام والمسلمين في ما كانت تثيره من حقدٍ متأصِّلٍ في الذات، وشعورٍ مرضيٍّ بالتفوق، ما يجعل المجتمع اليهودي ـ بحسب طبيعته ـ مجتمعاً معقّداً مثيراً للقلق والإرباك في محيطه الإسلامي، بالمستوى الذي يشكِّل فيه خطراً مستقبلياً على سلامة الدين الإسلامي الوليد، هذا من جهةٍ. ومن جهةٍ أخرى، فإنّ التجربة المريرة التي عاشها المسلمون معهم، في نطاق المعاهدة المعقودة فيما بينهم، كانت تجربةً قاسيةً، لا سيما في الحلف العدواني بين اليهود والمنافقين، بحيث استطاع اليهود أن يستغلوا مجتمع النفاق، للتدخل في قضايا المسلمين باسم الإسلام الذي كان يتستر به المنافقون الذين كانوا يبطنون الكفر في داخلهم. ولكن الله أراد لنبِّيه أن لا يعرض لهم بسوء التزاماً بالعهد، حتى يكونوا هم الذين ينقضونه بأنفسهم، فلما نقضوه وكان بنو النضير أول الناقضين، وقف المسلمون موقفاً حازماً منهم، وكان الجلاء هو الحل الطبيعي الواقعي للمشكلة، بالرغم من قسوته في ذاته، ولكننا عندما ندرسه من ناحية الامتناع عن قتل الذكور وسبي النساء والأطفال، فإننا نجده حلاً لا يبتعد عن الرحمة بالمعنى العسكري للكلمة، وهكذا أخرجهم الله بتدبيره.

ونظراً لما كان اليهود يمتلكونه من قوة عسكرية، ومناعة في التحصينات والقلاع، ظن المسلمون أنهم غير قادرين على التغلب عليهم، وقد عبر عن هذا الواقع في الآية، في قوله تعالى:{مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ} لأنهم كانوا يملكون القوة والمنعة والمال الكثير، بالمستوى الذي يرفضون معه أن يسلِّموا أمرهم للقرار الإسلامي في إخراجهم بطريقة سلمية، كما أن ما حصل لهم من إجلاء وإخراج كان من غير المتوقع حصوله بالنسبة لهم، وقد فوجئوا بذلك {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ} في ما كان يخيّل إليهم من مناعة الحصون التي يتحصنون بها ويضغطون من خلالها على أعدائهم، على أساس ما تمنحه لهم من مواقع الأمان، وكانوا يتعلقون بالأسباب المادية في ما يستغرقون فيه من عقدة القوّة المستعلية، من دون انفتاحٍ على الأسباب الغيبية المخزونة في علم الله، ودراسة لعناصر القوّة الروحية الخفية الكامنة في المجتمع الإسلامي بقيادة رسول الله(ص)، ما جعلهم يعيشون الغفلة المطبقة على عقولهم ومشاعرهم {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ} لأنهم لم يفكِّروا في الانهيار الكبير الذي امتد إلى كل مواقعهم ومواقفهم، فكانت المفاجأة الكبيرة أنّ مجتمعهم لم يكن مرتكزاً على أساس القوة الحقيقية، بل على مسألةً وهميةً خاضعةً لغرور العظمة الكاذبة، فكان الواقع الذي تحداهم هو واقع الهزيمة النفسية، {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ} عندما واجهوا القوة الإسلامية المتماسكة الواثقة بربها وبقيادتها وبالمؤمنين في مواقعها، فرأوا فيها الموقف القوي الذي يواجه العدو بثقةٍ وقوة حاسمةٍ. وهكذا كانت الحرب النفسية في ما يمكن أن تحركه من نقاط الضعف في نفوس الناس، هي الوسيلة الفضلى للنجاح في الحرب السياسية والعسكرية، لأنها تحطّم الإرادة الإنسانية التي تحرك السلاح، وتثبت الموقف. وهذا هو الذي يجب أن يراقبه المسلمون في ما يخططون له من معارك الإسلام في مواجهة الكفر والطغيان، كما ينبغي لهم أن ينتبهوا إليه في ما يخططه الأعداء وما يعملون على إثارته في مواجهة المسلمين، من الحرب النفسية التي يحركون فيها نقاط الضعف لدينا أمام نقاط القوة عندهم، بالكلمة والفعل والإيحاء والموقف.

وعندما حلّت الهزيمة بهم وأسقطت الهالة التي كانوا يقبعون خلفها، وأصبحوا في وضع حرج تداعوا، وفي خطوة غير مسبوقة لم يكن لهم بها عهد من قبل، وقاموا بتخريب بيوتهم {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ} فقد كانوا يدمرون بيوتهم، أو يعيثون ببنائها، لئلا يغنمها المسلمون فيسكنوا فيها، وهي على حال جيدةٍ صالحةٍ للسكن، وكان المؤمنون يخربونها من أجل أن يصلوا إليهم ويسيطروا عليهم.

وقيل: إن التعبير جارٍ مجرى الكناية في ما يوحي به تخريب البيوت من إفساد أوضاعهم الحياتية واستقرارهم الأمني، وذلك بنقضهم لعهدهم مع الرسول(ص) وبتأليب المؤمنين عليهم، كنتيجةٍ لذلك، وهو خلاف الظاهر.

ولم يترك القرآن هذه المناسبة من دون الإلفات إلى ضرورة أخذ العبر مما حصل، ليؤسس من خلال ذلك قواعد تجري عليها السنن، وذلك في قوله تعالى: {فَاعْتَبِرُواْ يا أُوْلِي الأبْصَارِ} وخذوا من هؤلاء درساً في خطّ السير، وفي طريقة المواجهة للأوضاع والظروف المحيطة بكم، في ما تقبلون عليه من مواقف ومشاريع في ساحات الصراع بين الحق والباطل، لتتخذوا الموقف الحق بحكمةٍ وقوة وعزيمة، ولتقدّروا النتائج السلبية أو الإيجابية من خلال الدراسة الموضوعية الواعية.

كما يشير القرآن إلى أن عملية الإجلاء هذه كانت بأمرٍ من الله {وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاَءَ} في ما أراده لهم من حفظ نفوسهم، بالإبقاء عليهم، للمصلحة التي يعلمها في ذلك، فقد كان لا يريد أن يبدأ معركة الإسلام معهم بمذبحة كبيرةٍ، قد تثير اليهود الآخرين الذين كانوا لا يزالون على العهد محافظين على السلام، بالرغم من أن هؤلاء قد قاموا بمحاولة اغتيال النبي محمد(ص)، ولهذا اكتفى بالحكم بالجلاء عن ديارهم في البداية، ليكون ذلك بمثابة الدرس لكل الذين يحاولون القيام بنقض العهد مع النبي(ص)، ولولا ذلك {لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا} بالقتل والاستئصال، كما فعل ذلك مع بني قريظة عندما نقضوا العهد، لأن المصلحة كانت تفرض ذلك على أساس الخيانة الكبيرة في التحالف مع المشركين للهجوم على المدينة، للقضاء على الإسلام والمسلمين في واقعة الأحزاب.

{وَلَهُمْ فِي الآخرةِ عَذَابُ النَّارِ} لتمرّدهم على الله ورسوله وخيانتهم للعهد. {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي خالفوا أوامرهما ونواهيهما وعهدهم معهما، {وَمَن يُشَآقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} لأن هذا الموقف المضادّ يعبر عن حالةٍ خبيثةٍ تنمّ عن الشعور العدواني ضد العظمة الإلهية، ما يعرّض السائرين في هذا الاتجاه للعقاب الشديد.

ومن الجدير ذكره أنّ الرسول(ص) أعطى الأوامر للمسلمين بقطع أشجار النخيل {مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ} وهي النخلة {أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَى أُصُولِهَا} في ما كان المسلمون يمارسونه من قطع النخيل في مواقع بني النضير لبعض الضرورات الحربية، على أساس إيجاد حالةٍ نفسيةٍ صعبةٍ لديهم، أو إزالة بعض الحواجز التي كانت تتمثل في النخيل الذي يمنع من حرية الحركة، وذلك بأمرٍ من النبي(ص)، مما كان مثيراً لاعتراض بني النضير، لأنه يمثّل نوعاً من التخريب أو الإفساد الذي لا يفيد المسلمين في شيء، باعتبار أن ذلك يمثل نوعاً من الخسارة، على تقدير انتقال الأرض إليهم. ولكن الله يقول إن ذلك لم يكن حالةً مزاجيةً اعتباطية، بل كل ما أمر به النبي(ص) وقام به المسلمون {فَبِإِذْنِ اللَّهِ} من خلال الحكمة التي أرادها في ساحة الصراع بين المسلمين واليهود، {وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} ويدفعهم إلى السقوط تحت تأثير الهزيمة والخزي والعار والانهيار النفسي والعملي.

وهكذا نجد أن حركة المحاربين في ما يتعلق بقطع الأشجار أو إبقائها، لا تنطلق من مبدأ الانفعال بالأجواء العسكرية، بل تخضع للضرورات العامة في طبيعة الموقف من الأعداء في ما يحقِّق المصلحة العليا للإسلام وللمسلمين، وللحياة من جهةٍ عامة.

الموقف النفاقي

وفي خضمّ صراع الذي كان مستعراً بين المسلمين من جهة، واليهود والمشركين كل على حدة أو سوية من جهة أخرى، يصوِّر القرآن موقف المنافقين الذين تتجلى صورتهم القلقة المخادعة المظلمة في انتهازيتهم التي تتحرك في دائرة منافعهم الذاتية بعيداً عن علاقتهم بالآخرين في نطاق القرب والبعد، فهم لا يخلصون للمؤمنين ولا للكافرين، وإن كانت مصلحتهم تلتقي غالباً بالكافرين دون المؤمنين، فإذا كانت مصلحتهم في سقوط الكافرين أسقطوهم. وهذا ما نلاحظه في الصورة النفاقية المتحركة في قصة بني النضير الذين تحالفوا مع المنافقين في المدينة، ولكن المنافقين خذلوهم عندما خافوا على أنفسهم من سيطرة المسلمين، ورأوا أن المطلوب منهم من قبل اليهود أن يدخلوا معهم في قتالٍ ضد المسلمين، وهم لا يطيقون الدخول مع أحدٍ في مسألة القتال، لأن سياستهم أن يكونوا من الجالسين على التل، الذين يتربصون بالجميع الدوائر، لتكون النتائج النهائية لحسابهم مع حسابات هذا الفريق أو ذاك أو ضد حسابات الجميع.

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ} في المدينة ممن أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، {يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ} في ما هي الأخوّة المعقودة بينهم في الموقف ضد الإسلام والمسلمين، من هؤلاء {الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} عندما طرح الموقف عليهم من قبل النبي(ص) أن يخرجوا من ديارهم، فأعلن المنافقون بأنهم سيقفون إلى جانبهم {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً} فإذا كنا قد أخفينا ملامحنا الحقيقية طيلة المدة السابقة للحفاظ على المصلحة المشتركة بيننا، فسنقف الآن وقفةً واضحةً حاسمةً تؤكد المصير المشترك، وتدعم موقفكم، حتى يعرف المسلمون أنكم لستم وحدكم في ساحة الصراع، وأننا سنذهب معكم ولن نسمع لأحدٍ من أهلنا أو من غيرهم إذا أرادوا أن ينصحونا بمفارقتكم وبالابتعاد عن هذه الوقفة الحاسمة المؤيّدة لكم، لأنّ المسألة مسألة مبدأ وليست مسألة وضعٍ طارىء في مفردات المواقف، ليكون هذا احتجاجاً صارخاً ضد الموقف الإسلامي الذي سوف يرتبك ويهتز أمام المشاكل الداخلية التي يثيرها خروجنا معكم، باعتبار علاقاتنا العضوية بالمجتمع المسلم في المدينة، في ما نملكه من علاقاتٍ اجتماعيةٍ واقتصاديةٍ ومواقع عشائرية، الأمر الذي قد يدفع النبي(ص) إلى التراجع عن موقفه هذا {وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ} ونقاتل معكم، حتى يكون الموقف في النهاية لمصلحتكم، لأننا نملك القوة في مواقعنا الاجتماعية.

وهكذا استطاع المنافقون أن يثبّتوا الموقف اليهودي الذي كان يرى ضرورة المواجهة للنبي، وعدم الخضوع لقرار الجلاء، في مقابل الموقف اليهودي الآخر الذي يرى ضرورة الانسجام مع القرار، لأن شروطه في البداية قد تكون أخفّ من شروطه في المرحلة الثانية، ولأنهم لا يستطيعون الانتصار في المواجهة ما داموا وحدهم في القتال، لأن اليهود الآخرين لم يكونوا معهم.

ويغوص القرآن إلى عمق نفسية هؤلاء ويكشف عن حقيقة موقفهم {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} لأن منطقهم ليس منطق الحقيقة المعبرة عن الموقف، بل هو موقف النفاق المعبر عن الحالة النفسية المتعاطفة مع هذا الموقف، في الوقت الذي تنتظر النتائج في مراقبةٍ دائمةٍ للمتغيرات على مستوى مراكز القوة، حتى إذا رأت القوة في جانب المسلمين، تركت كل عهودها مع اليهود لتنضم إلى المسلمين في ما تخافه من سطوتهم عليهم.

وبهذا كانوا كاذبين في العهد الذي قطعوه على أنفسهم لليهود، لأنهم لم يكونوا جادّين فيه في حسابات المطلق، في ما هو الموقف الحاسم الذي يتحرك في خط التضحية، {لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ} لأن ذلك سوف يبعدهم عن ديارهم، ويفصلهم عن مصالحهم، ويعقِّد علاقاتهم بالمسلمين من أهلهم، من دون أن يحصلوا على شيء من اليهود في دار هجرتهم، ما يجعل صفقتهم خاسرةً على جميع المستويات.

{وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ} لأنهم لا يؤمنون بالمسألة اليهودية، لا في العقيدة ولا في المصلحة، فلا قضية لديهم ليقاتلوا من أجلها على صعيد الإيمان، {وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ} في الحالات التي تفرض عليهم الأوضاع أن ينصروهم ويدخلوا معهم في المعركة، في ما يشبه المأزق الحرج {لَيُوَلُّنَّ الأدبارَ} في عملية الفرار من المعركة، لينقذوا أنفسهم من الهلاك، لأنهم ليسوا في وارد الرغبة في الموت لحساب أيّ أحدٍ، باعتبار أن شعار النفاق هو سلامة الذات والموت للجميع، {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ} لأنهم لا يملكون أسباب النصر في موازين القوة هناك، وذلك لأن المنافقين يخشون من المؤمنين أكثر مما يخشون الله، وذلك قوله تعالى:{لأنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ اللَّهِ} فتلك هي الحقيقة النفسية للمنافقين ولإخوانهم من الذين كفروا من أهل الكتاب، فهم لا يعيشون في أعماقهم الشعور بعظمة الله المطلقة التي يشعر بها المؤمنون بالله، ولا يتحسسون الخوف منه لتكون مواقع حركتهم متجهةً إلى الابتعاد عن مواقع غضب الله وسخطه، فيكونون الأقوياء بالله في مواجهة أعدائه، بل يعيشون الشعور بمواقع القوة المادية من حولهم، في ما يملكه الناس من قوة البطش والقهر، ما يجعل قلوبهم فارغةً من خوف الله، مملوءةً بخوف الناس.

ولمّا كان المسلمون في الموقع المميّز للقوة آنذاك، كانت مشاعر الخوف من المسلمين لدى المنافقين واليهود أقوى من مشاعر خوفهم من الله الذي لا يستشعرون الإيمان به، {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} لأنهم لا يعرفون مدى عظمة الله، وأن القوة بيده، وأن العزة له جميعاً، وأن الكون لا يملك أية قوة إلا منه، فلا قيمة لأي قوة كونيةٍ أو بشرية ليخافها الإنسان أمام قوته. ولهذا فإن المسألة هي مسألة وعيٍ للحقيقة الإلهية في حركة القوة الكونية، مما لا يفهمه إلا المؤمنون.

عوامل ساهمت في إلحاق الهزيمة

ومن العوامل التي ساهمت في إلحاق الهزيمة بهم أنهم لم يواجهوا المسلمين بشكل مباشر، بل كما ورد في الآية:{لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ}، لأنهم لا يملكون الشجاعة التي تفسح المجال للثبات في الموقف، على أساس أنهم لا ينطلقون من عنصر قوةٍ داخلية، في ما تمنحه العقيدة الإيمانية المنفتحة على الله الذي يستمد منه المؤمن القوة في مواجهته للتحديات، ما يجعلهم يشعرون بالخوف من المسلمين الذين انطلقوا من مواقع إيمانهم بالله ليكونوا الثابتين في المواقع الصعبة.

ويوغل القرآن في عمق نفسياتهم، ويكشف عن وجههم الحقيقي، حين يقول أن {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ} بحيث تتحوّل الخلافات الداخلية فيما بينهم إلى نزاعاتٍ عسكريةٍ يشتد فيها البأس بشكلٍ عنيف، فيقتل بعضهم بعضاً، ما يجعل من الصعب الوصول إلى نتيجةٍ إيجابيةٍ لمصلحة الصلح والتسامح، {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} فهم لا ينطلقون في علاقاتهم ببعضهم البعض من موقع العقيدة الواحدة، والشعور الحميم المنفتح الموحّد، والقضية الواحدة التي تتصل بالمصير الواحد، بل ينطلقون من المصالح الخاصة التي يختلفون عليها بسبب العنصر الذاتي المعقّد الكامن في داخلهم، ولهذا فإن وحدتهم تتّصل بشكل الصورة لا بعمقها، {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ} لأنهم لو كانوا يملكون عقلاً واعياً لاستطاعوا أن يهتدوا إلى مواقع الحق التي يلتقون عليها، ويتوحّدوا من خلالها في الشكل والمضمون، سيما إذا توفر روح الإخلاص، وهو ما يضمهم جميعاً إلى رحاب الله في مواقع رضوانه.

وإذا كانت المسألة اليهودية في نطاق هذه الصورة القلقة تتمثل في هذا الواقع الداخلي المعقد الذي يوحي بالجبن والفرقة والتنازع، فإنه لا يمثل حالةً خاصةً مختصةً بهم، بل قد يتمثل في جماعاتٍ أخرى تعيش العقلية نفسها وتخضع للظروف والمواقع ذاتها، فتكون النتائج هي النتائج، والصورة هي نفسها، ما يفرض على كل جماعةٍ أن تحصِّن نفسها من ذلك، وأن تعمق كل عناصر القوة والإلفة والوحدة على صعيد الفكر والعمل. وهذا ما يجب أن ينتبه إليه المسلمون في توجههم العام، كما ينتبه إليه العاملون للإسلام في النطاق الحركي، فقد ينفذ إليهم هذا المرض، وقد تمتد إليهم نتائجه السلبية التي تسيء إلى واقعهم السياسي والاجتماعي والأمني والاقتصادي، الأمر الذي يحتاج إلى المزيد من التأمل والدقة والحذر الشديد.

وتستمر الآيات في تصوير موقف اليهود المنخدع بكلام المنافقين، الذين وعدوهم بالنصرة والتأييد، ولم يلبثوا أن خذلوهم، مقدِّماً بذلك المثل الحي في مواقع أخرى، لتتسع الفكرة الواعية التي ترصد الواقع في أكثر من صورة، الأمر الذي يوسع أفق الإنسان المؤمن في نظرته إلى الحياة بمنطق الوعي، لا بمنطق السذاجة الفكرية.

ويحاكي القرآن النموذج اليهودي المتمثل ببني النضير، ويقول إن ثمة أرضية مشتركة ينطلق منها في الاغترار بالعدد كما هو حال من سبقهم من المشركين {كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً} كمثل المشركين، الذين جاؤوا إلى بدر لمقاتلة المسلمين، فـ{ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ} فكانت الغلبة عليهم من المسلمين، وقيل إن المراد بهم بنو قينقاعٍ، في ما رواه ابن عباس، من أنهم نقضوا العهد بعد رجوع رسول الله(ص) من بدر، فأمرهم رسول الله(ص) أن يخرجوا، وقال عبد الله بن أبي: لا تخرجوا فإني آتي النبي(ص) فأكلمه فيكم أو أدخل معكم الحصن، فكان هؤلاء في إرسال عبد الله بن أبي إليهم ثم ترك نصرتهم، كأولئك[1]. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} في الآخرة.

ويقول القرآن إن السمات التي يحملها هؤلاء اليهود وشركاؤهم من المنافقين والمشركين، هي سمات شيطانية تودي بصاحبها إلى الكفر، وفي ذلك قوله تعالى: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ}.. وذلك هو مثل المنافقين الذين يضللون الناس في وعودهم الكاذبة، حيث يثيرون الكثير من الأحلام والأوهام، حتى يخيل لهؤلاء الناس أن المنافقين يمثلون الضمانة القوية في ما يعدون أو يتحدثون، فيندفعون إلى ما أثاروه في أحلامهم وأوهامهم بكل ثقةٍ وعزيمةٍ، حتى إذا دخلوا في دائرة اللعبة النفاقية، واجهتهم الحقيقة بأن كل تلك الوعود سراب، ورأوا أن المنافقين يبتعدون عنهم وعن تحمّل مسؤوليتهم، ويتبرأون من علاقتهم بكل ما يحدث لهم، لأنهم يخافون من الأخطار المترتبة عليهم من خلال ذلك.

وهذا هو الأسلوب الشيطاني في علاقته بالإنسان، فإنه يزين له الكفر بمختلف الوسائل التي يملكها في إثارة الشبهات حول الإيمان، وفي تأكيد الفكر الكافر بطريقته الخاصة، ويضمن له النتائج السعيدة بالخيالات الواسعة والأوهام الرائعة، حتى إذا سقط الإنسان أمام كل تلك الإغراءات الفكرية والتهاويل العاطفية، ووقع في قلب التجربة التي يواجه بها عذاب الله، تبرأ منه، {فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِىءٌ مِّنكَ} فلا مسؤولية لي بما كفرت وانحرفت، لأنك تملك عقلاً تميز به الصواب من الخطأ، وإرادة تؤكد بها موقفك، فكيف تحمِّلني مسؤولية ما فكرت به وأردت السير فيه؟

{إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} فلا أملك معه شيئاً لنفسي فكيف أملكه لك، ولا أستطيع تحمّل أي وضعٍ منحرف عن رضاه وعن إرادته، لأن ما لديّ من المواقف المنحرفة يكفيني، فليتحمّل كل شخص مسؤوليته عن موقفه، وهذا هو ما عبرت عنه الآية الكريمة: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُوني وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [إبراهيم:22].

يهود بني قريظة في مواجهة النبي(ص)

 

 

كان اليهود من بني قريظة يسكنون في ضواحي المدينة، وكان بينهم وبين النبي عهدٌ بأن لا يساعدوا العدوّ عليه، ولكنهم نقضوا العهد عندما بدأت مؤامرة الأحزاب، وأعلنوا الحرب ضد النبي محمد(ص) والمسلمين، ما جعل النبيّ في حلٍّ من عهده معهم، فأعلن الحرب عليهم بعد هزيمة الأحزاب، ونادى مناديه أن يخرج المسلمون إلى بني قريظة، فلما بلغوهم، أغلقوا عليهم باب الحصن، فعرض عليهم رسول الله(ص) الإسلام على أن يكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وإلا حاصروهم حتى يستسلموا أو يحاربوا، فأشار عليهم رئيسهم كعب بن أسد أن يسلموا ويؤمنوا بمحمد(ص) وقال: فوالله، لقد تبين لكم أنه نبي مرسل وأنه الذي تجدونه في التوراة، فأبوا وقالوا: لا نفارق ديننا.

وبدأ الحصار الإسلامي يطبق عليهم، واستمر إلى خمسٍ وعشرين ليلة، حتى لم يستطيعوا البقاء معه، فطلبوا من النبي(ص) النـزول على حكم سعد بن معاذ، وهو رئيس الأوس، وكان بنو قريظة حلفاء لهم، فوافق النبي(ص) على ذلك، وقال لسعد: احكم بما شئت عليهم، قال سعد: وحكمي نافذ عليهم؟ قال النبي(ص): نعم، فحكم سعد أن يقتل رجالهم المقاتلون وأن تقسم أموالهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم، وأن تكون ديارهم للمهاجرين دون الأنصار، لأن للأنصار دياراً ولا ديار للمهاجرين.

وهكذا استجاب الرسول لهذا الحكم ونفّذه بشكلٍ دقيق، انطلاقاً من نقضهم العهد بالمستوى الذي تحوّلت فيه مواقعهم في المدينة إلى خطرٍ مستقبليٍ دائم على الإسلام والمسلمين، بعد أن كان حاضرهم يتحرك في اتجاه ممارسة هذا الخطر الذي حذَّر الله المسلمين منه. وإلى هذه الموقعة أشار القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى: {وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقاً تقتلون وتأسرون فريقاً * وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضاً لم تطأوها وكان الله على كل شيء قديراً} [الأحزاب:26 ـ 27].

الحكم على بني قريظة: الظروف والأجواء

وقد أثار البعض حديث القسوة الشديدة في هذا الحكم العنيف الذي لا رأفة فيه ولا رحمة، في الوقت الذي استسلموا فيه له بشكل مطلقٍ، ولكن التأمّل في طبيعة الموقف، قد يجعلنا نتفهم عدالة المسألة في مثل هذه القضايا التي لا تخضع المأساة، بل لخطوط العدالة في طبيعة الحيثيات و المحيطة بالموقف.

فقد لاحظنا أنهم نقضوا العهد الذي عاهدوا النبي عليه، من دون أن يكون هناك أيّ موجب لذلك، فقد كانت أوضاع المسلمين معهم في نهاية الرعاية وفي المستوى الكبير من الوفاء بالعهد، ما جعل النقض خاضعاً لعقدة خيانةٍ داخليةٍ خطيرةٍ.

وقد ترك لهم النبي المجال لتفادي الخيار الصعب بالدخول في الإسلام ليكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، ولكنهم رفضوا ذلك، كما رفضوا النـزول عند حكمه، وفضّلوا النـزول على حكم سعد بن معاذ، آملين أن يكون تحالفهم القديم مع عشيرته الأوس مصدر سلام لهم، في ما يعتقدونه من تأثير على قرار سعد. ولكن سعداً كان ينطلق من دراسته للعقدة اليهودية ضد الإسلام والمسلمين، لأنه كان يعرف خلفياتهم الفكرية، ويلاحظ تحركاتهم المشبوهة في إثارة الفتن والقلاقل في داخل المجتمع الإسلامي، ما جعله يقرّر ضرورة إنهاء أمرهم بشكل حاسم، لأن أنصاف الحلول قد أثبتت فشلها لدى هؤلاء الذين يلعبون على الحلول وعلى المتغيرات من الأحداث ليوظّفوها لصالحهم، فكان حكمه على هذا الشكل.

وقد ذكر الكاتب المصري عباس محمود العقاد في هذا المجال «أنّ سعداً إنما دانهم بنص التوراة الذي يؤمنون به"، كما جاء في التثنية: «حين تقرب من مدينةٍ لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك، فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك، وإن لم تسالمك بل عملت معك حرباً فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك، فاضرب جميع ذكورها بحدّ السيف، وأمّا النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة كل غنيمة تغنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك إلهك[1]»[2].

وهكذا كانت المسألة في دائرة القاعدة المعروفة: «ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم» من ناحيتين؛ ناحية قبولهم بحكمه، وناحية التزامهم الشرعي بمضمونه في علاقتهم بالآخرين، فلم يكن من النبي محمد(ص) إلا تنفيذ ما التزموا به.

{وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} أي ناصروهم من يهود قريظة {مِن صَيَاصِيهِمْ} وهي الحصون التي يتمتعون بها من أعدائهم {وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ} في ما واجهوه من قوّة المسلمين ومن ضغط الحصار عليهم بعد أن كانوا في حالة استرخاء أمنيٍّ، لاعتقادهم بأن مؤامراتهم لم تنكشف للنبي، وأن من الممكن أن يقبل عذرهم ويعفو عنهم {فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً} في ما حدث من قتل الرجال وسبي الذراري والنساء {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وأموالهم} في سيطرتكم المطلقة على كل مقدّراتهم {وَأَرْضاً لَّمْ تَطَأوهَا} وهي أرض خيبر أو الأرض التي أفاء الله بها على المسلمين مما لم يوجف عليها بخيلٍ ولا ركاب،{وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيراً} فهو القادر على أن ينصركم بنصره ويعزكم بعزه، فكونوا على ثقةٍ من ذلك في ما يواجهكم من تحدياتٍ وصعوبات.